في ذكرى مولد الرسول الأعظم
خاطرة في التكريم الالهي
بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمدلله رب العالمين، الرحمن الرحيم القائل وقوله الحق في محكم التنزيل (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) (سورة الاحزاب: آيه 45-46)، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله سيد الأنام وعلى آلة وصحبه الكرام.
وبعد فان هذه مناسبه عظيمة كلفني وشرفني الأخ رئيس الجامعة الاستاذ الدكتور/ أحمد محمد برقعان بألقاء كلمة الجامعة فيها. وهو لقاء يختلف عن كل لقاء، ومنتدى يسمو فوق كل منتدى، فيه نحتفل بذكرى مولد سيد الورى عليه وعلى آل بيته وصحابته أفضل الصلاة والتسليم.
يقول في مثل هكذا مناسبه أمير الشعراء احمد شوقي معظماً ومكرماً المحتفى به وبولادته عليه الصلاة والسلام:
|
وُلدَ الهُدى فالكائناتُ ضياءُ |
|
وفمُ الزمانِ تبسم وثناء |
فكأن الكون كله من عليائه الى سمائه الدنيا مزهواً في هذا اليوم بذكرى المولد النبوي الشريف.
ويقول البوصيري في بردته عن الصادق المصدوق والأمين المأمون عن مكانته ومنزلته لدى ربه سبحانه وتعالى:
|
محمدٌ سيدُ الكونينِ والثَقَلينِ |
|
والفَريقينِ من عُربٍ ومِن عجمِ |
ويقول فيه أمير الشعراء في قصيدته (نهج البردة) التي عارض فيها (البرده) للبوصيري، مشيداً بسجاياه وصفاته الحميده وقربه من الله جل وعلا :
|
محمدٌ صفوةُ الباري ورحمتُه |
|
وبغيةُ الله من خَلّقٍ ومن نسم |
وفي هذه المناسبة العطرة سوف نختصر الحديث عن كرم الله وتكريمه له في نزر يسير من حوادث هذا التكريم الالهي وفي جوانب اختصها الله بنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الانبياء والرسل الكرام عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
يقول الله عز وجل (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) (سورة البقرة: آيه 253)
فالأنبياء والرسل السابقون لمحمد عليه الصلاة والسلام أُرسلوا إلى أقوام وشعوب وبلاد محدودة ومعينة؛ أما سيد الخلق وأقربهم إلى الله فقد كانت رسالته وشريعته السماوية إلى كل الأقوام وكل الشعوب.. ولكل مكان وكل زمان.. فهي للبشرية جمعاء وإلى الناس كافة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (سبأ: آية 28).
فسيدنا يونس بن متى عليه السلام، على سبيل المثال أُرسل إلى أهل نينوى (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) (الصافات:147).
وسيدنا شعيب عليه السلام أُرسل إلى أهل مدين لا يتجاوزها (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (الأعراف: آية 85).
وسيدنا موسى عليه السلام أرسل إلى بني إسرائيل خاصة (وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) (الإسراء: آية 2).
أما الرسالة المحمدية فهي خاتمة الرسالات قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الأحزاب:40).
ومعنى ذلك أنها تتضمن كل ما جاء في الشرائع السماوية التي قبلها وتتضمن كل ما يتعلق ببني الإنسان في دينهم ودنياهم وهي منزهه من كل قصور جامعة شاملة لكل قضايا المجتمع الإنساني.
ومن تكريم الله لنبيه ورسوله وصفوة خلقه صلوات الله وسلامه عليه أن اختاره واصطفاه ليؤم الأنبياء والرسل في بيت المقدس ليلة أسرى به .. وهذا تكريم وأي تكريم ومنزلة وأي منزلة.
وإذا كان سيدنا إبراهيم عليه السلام هو خليل الله (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلً) (النساء: آية 125)، وإذا كان سيدنا موسى عليه السلام هو كليم الله (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء: آية 164).
وإذا كان سيدنا عيسى المسيح عليه السلام هو كلمة الله (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) (النساء: آية 171).
فإن محمد عليه الصلاة والسلام هو صفي الله وحبيبه الذي كرمه بالوصول إلى سدرة المنتهى (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (النجم: آية 16،17،18).
لقد كرم الله رسوله بالوصول إلى ذلك المكان السماوي المقدس حيث لا قدرة لنبي ولا لرسول أن يصل إليه؛ وحيث لا طاقة لملك كريم أن يتجاوزها.
وإذا كان الرسل الكرام عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قد بدا عليهم جبريل عليه السلام في هيئة الآدميين وفي غير هيئته الحقيقية؛ فإن النبي الأعظم والرسول الأكرم قد كرمه الله بأن يرى جبريل في هيئته الملكية مرتين: مرة في الأرض في غار حراء وفي أول وحي يوحى، ومرة أخرى في الملأ الأعلى عند سدرة المنتهى (وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى) (النجم:13،14،15).
وهناك كما يروي عندما أُمِرَ صلى الله عليه وسلم بالعروج وحده قال: يا جبريل. أههنا يترك الخليل خليله؟ قال جبريل يا محمد وما منا إلى له مقام معلوم.. ولو تقدمت لاحترقت.
عندها يصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام وغشيه النور من كل مكان فقال: (التحيات لله المباركات الصلوات) فسمع صوت الكريم يقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) فيقول الرسول الكريم (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) "راجع فتح المنعم في شرح صحيح مسلم".
وهذا الحوار.. الرباني نردده دبر كل صلاة غير أن البعض منا لا يدرك معناه ولا يستشعر مدى قدسيته.
وكرم الله نبيه وحبيبه وصفيه بأن يكون أول الخلائق صحوة بعد الصعقة الأخيرة يوم القيامة ويوم الحشر.
وفي حديث للرسول عليه الصلاة والسلام يقول (لا تفضلوني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثني؟)"راجع القصة كاملة فيما رواه البخاري في كتاب الأنبياء وفيما رواه مسلم في كتاب الفضائل".
وكرم الله نبيه وحبيبه وصفيه محمد أن يكون (أول شافع وأول مشفع) في يوم يجمع الله فيه الناس الأولين والأخرين في صعيد واحد مذهولين مفجوعين (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: آيه 88-89)
وقال تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (سورة عبس : آيه 34-37)
و (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) (سورة الانفطار: آيه 19)
و (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (سورة الحج: آيه 2)
وقوله تعالى : (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) (المدثر : سورة 48)
يومها يطلب الناس من الرسل أن يشفعوا لهم عند الله فيقول لهم كل رسول "إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله" ويقول كل منهم "نفسي نفسي".
فيأتون محمد صلى الله عليه وآله وسلم طالبين شفاعته فينطلق معهم حتى يأتي تحت العرش فيخر ساجداً حامداً شاكراً لله كما ألهمه الله؛ فيقال له" ارفع رأسك سل تُعط، واشفع تُشفع، وقل يُسمع لقولك" (كما ورد ذلك في سنن الترمذي).
وهو الذي كرمه رب العزة والجلال بأن يكون أول من يؤذن له بفتح باب الجنة وأول الداخلين فيها. ففي صحيح مسلم يقول عليه الصلاة والسلام "آت باب الجنة يوم القيامة فاستفتح فيقول الخازن من أنت، فأقول محمد، فيقول بك أُمرتُ ألا أفتح لاحد قبلك". فانظر أخي المسلم إلى أي مدى من التكريم الإلهي والكرم الرباني اختص به (سيد الكونين والثقلين) و (وصفوة الباري ورحمته).
وهو الذي كرمه ذو الجلال والإكرام بحوضٍ من حياض الجنة لايرقى إلى منزلته أي من أحواض اخوانه من الأنبياء والمرسلين.
يقول عليه الصلاة والسلام(إن لي حوضاً مابين الكعبة وبيت المقدس، أبيض من اللبن، آنيته عدد النجوم، وأني لأكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة) (رواه ابن ماجه في سنته).
أفلا يحق لنا أن نكرم من كرمه الله واصطفاه واجتباه.. أفلا يحق لنا نحتفل بذكرى المصطفى وهو السراج المنير، وهو الرحمة المهداة وهو الذي قال فيه رب العزة والجلال "مَّحمدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا.. " (الفتح:29)
(رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (آل عمران:193،194)
وصلى اللهم وسلم على نبيك ورسولك وحبيبك وصفيك محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
د. عبدالله عبدالرحمن بكير
الثلاثاء:
العاشر من شهر ربيع الأول 1442ه
السابع والعشرين من شهر أكتوبر 2020م